الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
454
أنوار الفقاهة ( كتاب النكاح )
الأرض ، فالذي يأتي بذلك لم يخلق شجرا ولا نباتا ، بل أخذ جزء من شجر يشمل على جميع صفاته ، فغرسه في الأرض ، فنما بطبيعة ذاته ، وصار شجرا كالشجر الأول من جميع جهاته ؛ إلّا أنّه لما لم يعهد ذلك في الحيوانات والإنسان ، صار عجيبا في بدو النظر . والأصل في ذلك ما ذكرنا من أنّ كل خليّة من خلايا الإنسان تشتمل على جميع خصائصه ، وفي الواقع يكون كبذر إذا القى في أرض مستعدة ، اهتزت وربت وأنبتت . ومن الجدير بالذكر ، أنا قد تفرسنا لذلك قبل ثلاثين أو أربعين سنة ، وكتبناه في كتاب المعاد ، حيث لم يكن شيء من هذه الاكتشافات العلميّة ، وقد انتشر في تلك الأيّام ؛ وذلك بمناسبة شبهة الآكل والمأكول في أبواب المعاد الجسماني ، وأنّه لو تغذى إنسان من بدن إنسان آخر ( بلا واسطة أو بعد عوده ترابا ثم شجرا وثمرا ) ، وقلنا بالمعاد الجسماني ، فان رجع الإنسان المأكول إلى محله ، بقي الإنسان الآكل ناقصا ، وإن لم يرجع لم يكن له معاد . قلنا : كل خلية من خلايا الإنسان تحمل جميع أوصافه ، فلو عاد المأكول إلى محله وصار الآكل ناقصا ، أو لم يبق منه إلّا خليّة واحدة ، يمكن أن تنمو وتربو ويرجع الآكل كاملا وكنا بعينه الإنسان الأول . إذا عرفت ذلك ، أنّه تارة يبحث عن حكمه جوازا وحرمة ، وثانيا عن أحكام من يتولد منه . أما الأول : فتارة يبحث عن الأمور الجانبيّة ، وأخرى عن نفس ذاته ؛ أمّا الأول ، فلا شك أنّه يستلزم النظر واللمس الحرام غالبا إلّا ان يكون العالم الذي يتصدى لذلك زوجا لها ، فمن هذه الناحية حرام شرعا . وأمّا الثاني ، وهو العمدة ، فقد خالف فيه ومنعه علماء الأخلاق من جميع الأمم على اختلاف مشاربهم ، وقالوا يلزم منه مفاسد كثيرة ، وقد أشاروا إلى أمور سيأتي بعضها . وأمّا من ناحية الفقه الاسلامي ، فالحكم الاوّلى في بدو النظر ، بمقتضى أصالة الإباحة ، هو الجواز ، لو أمكن الاجتناب من الأمور الجانبية بما عرفت ؛ وقد عرفت أنّ ما قد يقال من أنّه تصرف في أمر الخلقة ، وهم باطل ، بل هو من قبيل تكثير النباتات والأشجار من